قصصمدوناتي

من قرى بنغلاديش النائية إلى ألمانيا / جميلة

بواسطة يناير 29, 2017[post-views]

لي صديقة وزميلة إسمها جميلة من بنغلادش في ذات مرة أخذنا نتكلم 
عن جمال الطبيعة في ألمانيا ولكن بالنسبة لها كان الأمر مختلف ، فهي تجد قريتها النائية المهددة دائما بالفيضانات أجمل بكثير ، تلك المساحات الخضراء جميلة بدفء قلوب أهلها، ففي القرية الكل يعرف بعضه بعضا ، إذا مرض أحدهم تجد كل أهل القرية حوله والذين لا يتجاوز عددهم مئتي شخص.
قرية جميلة كتلك القرى التي نسمع عنها في القصص ، لا يوجد لديهم كهرباء ، ولكم أن تتخيلوا إن حياتهم كلها تعتمد على ما يتوفر لديهم من مواد أولية ، والدتها تطبخ على الحطب وإخوتها الستة يدرسون على ضوء مصابيح الزيت ، لا يوجد لديهم إنترنت و هواتف و تلفزيونات وغيرها..
إذاً ..كيف وصلت جميلة لتدرس الدكتوراة في أكبر معهد للسرطان في أوروبا ؟
جميلة كبرى إخوتها، والدها فلاح بسيط جدا أمي ولكن أمها تجيد القراءة والكتابة وتعتبر من مُثقفات القرية حيث تقرأ لسيداتها يوميا الجريدة المحلية الذي تأتي مع ساعي البريد.
أقرب مدرسة تبعد عن قريتهم خمسة كيلو مترات ، ففي الأيام الصحوة يذهبون إليها مشياً على الأقدام ، ويخرجون من بيوتهم مع بزوغ الفجر ، أما في أيام الشتاء تسمح لهم المدرسة الغياب حفاظا على أرواحهم من غزارة المطر ويدرسون أياما طويلة في البيت ..
كانت جميلة متفوقة وإهتمت مديرة المدرسة بذلك وحرصت على أن توفر لها منحة من إحدى المنظمات الإنسانية ليتسنى ل جميلة الدراسة في العاصمة ، قالت لي : كانت معجزة لنا في القرية إحتفلوا بي إسبوعا كاملاً ، أحسست و كأني عروساً ..
كنت أول مرة أركب الحافلة في حياتي بقيت طوال ساعات الطريق مُستيقظة أنظر من الشباك حتى لا يفوتني شيء من العالم الخارجي ، وصلت المدينة وأحسست وكأنني في عالم الأحلام بقيت أقرص نفسي طوال الطريق ، ضحكت جميلة حتى دمعت عيناها وقالت لي : لا اريد أن أذكر لك شعوري عندما رأيت فرانكفورت …!!
درست الأحياء في الجامعة وكنت متفوقة وكنت أستطيع زيارة أهلي مرة في السنة ولكن كنت أكتب لهم يومياتي على شكل رسائل ، وكانت أمي تقرأها على مسامع أهل القرية وتكتب لي أخبارهم فردا فردا ..
عندما أنهيت الدراسة حصلت على عمل في الجامعة وكم كنت فخورة إنني بأول راتب إستطعت أن أحضر إخوتي الستة ووالداي لزيارة والتي كانت بالنسبة لهم إجازة العمر في العاصمة داكا .
عملت لمدة ثلاث سنوات حتى إستطعت أن أحصل على منحة لدراسة الماجستير هنا في ألمانيا وعندما انتهيت حصلت على منحة أخرى لدراسة الدكتوراة ..
أنهت قصتها وسرحت في جمال روحها ..الراقي بكل شيء في هدوءها ، إجتهادها ، أخلاقها و فوق ذلك حبها لقريتها النائية ، فمكتبها مليء بصور أهل القرية والطبيعة الخلابة هناك وصورة والدها الفلاح الذي يقف بجانب محراث يجره ثور ضخم ..
أجمل هدايا الحياة هي ..لي معرفتي بمثل جميلة وأخرى زميلة هندية ، فتواضعهم وبساطتهم وإبتسامتهم تملأ ثنايا قلبي بهجة وأشتاق لمجالستهم وأحاديثهم وأزداد يقينا بإن من مثلهم يجعل عالمنا أجمل ..
الصورة من جميلة …

التعليقات

تعليق

علياء كيوان

علياء كيوان

دكتوراة في الأحياء الجزيئية والسرطان من جامعة هايدلبرغ. ناشطة اجتماعية و مقيمة في ألمانيا، أم لثلاث أطفال، ، هوايتي الكتابة والقراءة، همي هو النهوض بالمرأة العربية في المجتمعات الأوروبية ويكون لها بصمة ومكانة، أسست مجلة المرأة العربية في ألمانيا وهي أول مجلة إلكترونية ناطقة باللغة العربية في ألمانيا تهتم بشؤون المرأة والأسرة العربية بشكل عام.

error: Content is protected !!