خواطرمدوناتي

الغسالة الرمضانية

بواسطة يونيو 12, 2016[post-views]

رمضان ليس للجوع والعطش فقط بل هو غسالة روحانية مكفولة أبدا ، وفيها خيارات جميلة تصل إلى البقع العنيدة والرواسب الصعبة وكذلك الصدأ الذي قد يطال أفعالك وأقوالك . ما عليك سوا أن تتبع التعليمات الربانية وتضغط على زر قوة الإرادة وتبدأ التشغيل .

ولكن في بداية الجولة الأولى من الغسالة نظرت إلى نفسك إلى المرآة وأفزعك مظهرك، عينان متعبتان من السهر والتروايح ، وجه وأطراف منهكة من الجوع والعطش ، „ ولكن ما هذه البقع السوداء والرواسب التي تملأ قلبي وروحي ؟  يا إلهي „ تعود وتقرأ تعليمات الغسالة وتقول في نفسك  : “ لقد إتبعت كل هذا ولكن لم أحصل على النظافة المطلوبة „ !! تعود وتنظر إلى المرآة مرة أخرى وتغطي وجهك بيديك وتحاول أن تستر البقع التي ظهرت على روحك وتأخذ شهيقا عميقاً مليئاً بالدعاء حتى يمتلأ قلبك بأكبر كمية من الدماء التي قد تزيل الرواسب ولكن كل هذا لم يجدي !! ..

عدت إلى تعليمات الغسالة الرمضانية ووجدت في صفحة الأسئلة الأكثر تكراراً :

„ في حال عدم إختفاء البقع عليك بالإستغفار والتسبيح وزيادة صلواتك ..” وبسرعة بدأت تلهج بالدعاء وتنحني صعودا ونزولاً في الصلاة وعندما إنتهيت ركضت كالطفل إلى المرآة مرة أخرى ولكنك أعبست وجهك فكل ما فعلت لم يجدي ، عدت إلى دفتر التعليمات وتأملت الأسئلة المكررة ومن ثم علت وجهك إبتسامة كبيرة عندما قرأت :

„ في حال عدم تخلصك من الرواسب والبقع إذهب وتبرع في أقرب مسجد أو لعائلة فقيرة تعرفها فالصدقة منظف فعال للروح „ لبست ملابسك وركضت إلى أقرب مسجد وأفرغت محفظتك في صندوق التبرعات وعدت أدراجك تشعر ببعض الراحة في القلب وهذا يعني إن الرواسب بدأت بالتحلل ووصلت إلى البيت وبخطوات واثقة وقفت أمام المرآة ولكن ضرخت في روحك .. „ يا آلهي ، الوجه المتعب من الجوع والعطش كما هو و كذلك البقع السوداء ما زالت موجودة وبعض الرواسب قد ذهب ولكن ما زال القلب ثقيلاً ، ما الحل ؟ وهل سأبقى أعاني وجع الجوع دون أن أنجح بأن أكون نظيفا تماما „ ..

عدت إلى دفتر التعليمات للغسالة الرمضانية ولم تجد شيئا أخر قد يساعدك وبدأت أفكار سوداء تعصف بعقلك عن مدى مصداقية هذه الغسالة !! لإنها مشروطة بالصيام ثلاثين يوما من كل عام وأداء المزيد من النوافل وفوق كل هذا الجوع والعطش والحر شديد والنهار طويل !!، ولكن مهلاً يوجد الرقم الساخن للحالات المستعصية .. تضغط الأرقام بلهفة محاولاً أن ترطب ريقك الجاف من العطش وتنتظر الرد وتبدأ الأسئلة تطل من الناطق الآلي :

„ عزيزي الصائم إن كنت غير قادر على إتمام الصيام بسبب مرض أو إنهاك جسدي ، أفطر وأنوي إعادة هذا اليوم وألتزم بعبادات رمضان وسنضمن لك أن تزول البقع مع النوافل الأخرى إن كان لديك مشكلة أخرى أضغط الرقم ١“ ، وتضغط الرقم ويجيبك الناطق الألي مجدداً .. „عزيزي الصائم لضمان جودة المكالمة نطلب منك أن تكون صادقا مع نفسك وربك فإن كنت موافق أضغط الرقم ٢ „ ، وبدون تفكير تضغط ويرد عليك الناطق الألي „ شكرًا لك ويرجى الإنتظار „ تنتظر هنيهات وتحس الثواني وكأنها سنوات .. ويأتي الرد „ السلام عليكم صديقي الصائم ، أرجوا أن تجيب على أسئلتي ، حتى أستطيع مساعدتك في تنظيف البقع التي تلوث روحك ونحلل الرواسب التي تملأ قلبك وشرايينك „

ترد „ نعم سأفعل „  يقول لك : „ في ثنايا ضميرك الذي يظهر لدي على الشاشة إنه لا يعمل ١٠٠٪ ، فهل سبق أن ظلمت إنسانا ، أو إفتريت عليه بالأكاذيب والشائعات أو أكلت لحمه في غيابه ، لإنك لابد إنك تعلم إن الفتنة أشد من القتل ؟ ..“

تتململ وتصمت فيذكرك الناطق الآلي ..” عزيزي الصائم لضمان جودة المكالمة وعدم إنقطاع الإتصال الرجاء الصدق ” تجيب بإستحياء ..” نعم ” يرد عليك الناطق الآلي ..” وهذه أصعب أنواع البقع ولنضمن أن تزيلها غسالتنا الرمضانية الرجاء أن تتوجه إلى كل من ظلمته أو أسأت إليه أو قذفته أو إفتريت عليه من الناس وأن تطلب منه العفو والمغفرة ولتأخذ من صفقوا معك ليكونوا شهودا على كلامك “

ترد وقد سالت دمعة على خَدَّك „ وإن لم أجدهم أو لم يقبل منهم إعتذاري ، فهناك من شوهتهم وقتلت أرواحهم بين أصحابي وسخرت منهم .. رباه ماذا فعلت  ..„ يرد عليك الناطق الآلي ..“ عذراً عزيزي الصائم عليك أن تحاول وتسعى حتى تزول البقع والرواسب وإلا ستضطر أن تقابل رب العالمين بروح متسخة نتنة وستقلل فرص المغفرة لديه ، ونحن نضمن لك العفو لإن كثير من الناس يهمه أن يخرج من الغسالة الرمضانية شفافا براقا وعطر أخلاقه يملأ الأرجاء ، حاول حتى تخفف من إتساخ روحك وتستفيد من مميزات غسالتنا الرمضانية .. وهذه الخدمات كلها مجانية ومكفولة الصلاحية “

ترد بإمتنان وقد عقدت العزم  „ شكرًا لك وسأفعل „ يرد عليك الناطق الآلي „ حظا موفقا وستحظى بتهئنة من الملائكة في العيد عند خروجك من البيت مهللاً ومهنئاً ومغفرة من الله وأجر عظيم ، تذكر إن طبقت تعليماتنا دائما سنضمن لك نظافة مثالية ، غسالتنا الرمضانية شعارها „ وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ „

 

علياء كيوان

التعليقات

تعليق

علياء كيوان

علياء كيوان

دكتوراة في الأحياء الجزيئية والسرطان من جامعة هايدلبرغ. ناشطة اجتماعية و مقيمة في ألمانيا، أم لثلاث أطفال، ، هوايتي الكتابة والقراءة، همي هو النهوض بالمرأة العربية في المجتمعات الأوروبية ويكون لها بصمة ومكانة، أسست مجلة المرأة العربية في ألمانيا وهي أول مجلة إلكترونية ناطقة باللغة العربية في ألمانيا تهتم بشؤون المرأة والأسرة العربية بشكل عام.

error: Content is protected !!