بإمكانك الإستماع للقصة من خلال الضغط هنا

عميقاً داخل أحد أعضاء الجسم، نظرت إحدى الخلايا إلى جارتها الصامتة على غير العادة وخصوصاً في موسم التجديد، فبعد ساعات سيبدأ جيل جديد من الخلايا بالظهور عبر الإنقسامات المتساوية، ولكل خلية سيصبح لها شقيقة تشبهها، ولذلك هي ساعات حافلة لبعض الخلايا في هذا العضو يشبه إلى حد ما الإحتفال بالولادة. 

سألت الخلية جارتها الصامتة : ما بالك اليوم ؟، فأنتِ على غير عادتك ؟ ، ومن المفترض أن تكوني سعيدة !، اليوم  سيصبح  لك شقيقة تشبهكِ ؟ 

نظرت إليها الأخرى بإمتعاض قائلة : أسعيدةٌ أنتِ بهذا الروتين المُمل؟، قريباً سيأتي اليوم الذي تلتهمين فيه نفسك، وقد تكون نهايتك اليوم إذا فشلتِ بالإنقسام. 

فردت عليها رفيقتها بإستغراب: ما هذا الكلام الغريب ؟، يبدو إن وضعك غير متوازن، فهل أطلب لك مكتب التصليح؟.

سألتها جارتها بخبث: ما رأيك أن نعلن إنشقاقنا عن هذا الإنقسام ونخلق في هذا المكان ثورة تاريخية، وعندها ستصبح حياتنا خاصة بنا نحن، و سنأخذ بزمام الأمور في هذا المكان، ويصبح كل من حولنا يخشى مواجهتنا ويطالبوننا بضبط النفس ويرسلون لنا من يفاوضنا، ما رأيك بهذا الشعور الإستثانئي؟

شعرت الخلية الأخرى بالتوتر وحاولت أن تحافظ على هدؤها حتى لا تحدث أي خلل في عملية التجديد التي تترتب داخلها، فأي حركة منها أو توتر سيربك ترتيب كروموسوماتها الوراثية وسيتوقف كل شيء ولن تلتقي شقيقتها بصحة جيدة .  ولكنها قالت لها موبخة : هل جننتِ ؟ وهل حدث شيء في برمجتك لتقولي مثل هذا الكلام الخطير؟، وهل تتوقعين أن تمر هذه الأفكار بسلام ، فأنتِ سُتفقدين كل من حولك توازنه وُسيعلن الجسم حالة الطواريء وسيثور الجهاز المناعي ليتخلص من أي حركة غريبة.  

لكن جارتها المتمردة قاطعتها بغضب : اصمتي، وهل أنتِ مكتفية بالقليل من الفُتات الذي يصلنا من بعد عمليات الهضم والإمتصاص، تخيلي يا عزيزتي أن تكوني مركزاً حساساً لكل من حولك والكل يؤدي لك فروض الولاء والطاعة، حتى تلك الشعيرات الدموية البخيلة سُتجبر على إمدادنا بالمزيد من الطاقة والتغذية، وفوق هذا سيغدو قوامك أجمل ومميزاً عن الجميع وكلما زادت قوتك سيصبح شكلك إنسيابياً ممشوقاً وتتحركين بحرية في كل مكان، وسيكون بإمكانك النفاذ إلى الأوعية الدموية وستسافرين إلى كل أرجاء هذا الجسم، ومن منا لا يحلم أن يصل إلى الكبد أو إلى الرئتين حيث جنات الأوكسجين النقي والأغشية الرقيقة الملساء، وتخيلي إنه سيكون بمقدورك دخول أسوار الدماغ ذلك المركز الحاكم لهذا الجسم . وهنا أطلقت آهة حالمة : يااااه ، كم أحلم أن أرى تلك الخلايا العصبية الجميلة وهي تتشابك بجدائلها الطويلة مع بعضها البعض و ترسل إلينا من يتحكم بكل تحركاتنا وأنفاسنا ويحدد لنا ما نحتاجه من طاقة ..

إبتعدت جارتها مرتعبة من حِممها المتمردة وحاولت إخافتها قائلة : أتظنين إن هذه الأفكار ستمر بهذه السهولة، فمركز المعلومات داخلك سيقوم بتشفير كل أشكال التمرد داخلك ويحولها إشارات موت حتمي، ولن يكون لديك الوقت لتلتهمي نفسك،  بل سيأتي من يلتهمك ويريح هذا الجسم من شرورك. 

ضحكت  الخلية المتمردة ضحكة هستيرية وقالت : لا تقلقي أيتها الجبانة، فكل البرمجة التي تتحدثين عنها أصبحت تحت السيطرة ، أنتِ إنتبهي إلى نفسك فقط فقد بدأت تنتفخين شيئا فشيئا، أما أنا أنظري فلا شيء ظاهر علي ، لإنني منذ مدة وأنا أخطط لمستقبلي الجميل بدقة ، ومنذ فترة طويلة وجراء تعرض هذا الجسم إلى التدخين والتلوث و المواد الكيماوية وأنا أخزن كل أنواع السموم التي تصلني مع العناصر الغذائية أو تدخل بدون إستئذان عبر بواباتي  ، وعندما أصبحت الكمية كافية  جندتها لتساعدني في تغيير برمجتي الوراثية ونجحت أخيراً في إحداث طفرة في مادتي الوراثية حتى أحقق كل ما أحلم به بنجاح وأخذ حريتي .. 

صرخت الخلية الأخرى فزعة تارة من هول الفاجعة و وتارة أخرى من التخصر الذي بدأ يشد عليها لتنقسم إلى خليتين شقيقتين طبيعيتين حتى تساهم في المحافظة على صحة هذا العضو المسكين المُهدد من الخلية الخبيثة والتي خططت طويلاً  للتمرد وإشعال الحرب حاولت إلتقاط أنفاسها في خضم مخاضها العسير وقالت بحزن : إذاً هذا وداع بيني وبينك،  فأنتِ لم تعودي منا الآن ، بل لقد أصبحتِ خلية سرطانية خطيرة و لا بد للجسم أن ينتبه لشرورك وينهي وجودك بأي طريقة قبل أن تنفذي مخططك الإجرامي….

ولم تستطع الخلية الطيبة أن تكمل كلماتها لإنها دخلت في حالة الإنقسام ، وأما الخلية الخبيثة فقد كبرت وزاد حجمها وبدأت بإنقسامات عشوائية تشبهها وفي تلك الأثناء دق الجسم ناقوس الخطر، فهل تراه سينجح بالتخلص منها بما لديه من عتاد طبيعي من الخلايا المناعية  أم إنه سيحتاج إلى مساعدات خارجية …  

الحقوق الكتابية محفوظة ل علياء كيوان

دكتوراة في بيولوجيا السرطان الجزيئية


التعليقات

تعليق

علياء كيوان

علياء كيوان

دكتوراة في الأحياء الجزيئية والسرطان من جامعة هايدلبرغ. ناشطة اجتماعية و مقيمة في ألمانيا، أم لثلاث أطفال، ، هوايتي الكتابة والقراءة، همي هو النهوض بالمرأة العربية في المجتمعات الأوروبية ويكون لها بصمة ومكانة، أسست مجلة المرأة العربية في ألمانيا وهي أول مجلة إلكترونية ناطقة باللغة العربية في ألمانيا تهتم بشؤون المرأة والأسرة العربية بشكل عام.

error: Content is protected !!